ابن الأثير

580

الكامل في التاريخ

ثمّ إنّ عبسا ندمت على ما فعلت يوم الهباءة ، ولام بعضهم بعضا ، فاجتمعت فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المرّيّ وشكوا إليه ما نزل بهم ، فأعظمه وذمّ عبسا وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثأر بني بدر وفزارة ، وبثّ رسله . فاجتمع من العرب خلق كثير لا يحصون ، ونهى أصحابه عن التعرّض إلى الأموال والغنيمة وأمرهم بالصبر ، وساروا إلى بني عبس . فلمّا بلغهم مسيرهم إليهم قال قيس : الرأي أنّنا لا نلقاهم ، فإنّنا قد وترناهم فهم يطالبوننا بالذحول والطوائل ، وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب والمال فهم لا يتعرّضون إليه الآن ، والّذي ينبغي أن نفعله أنّنا نرسل الظعائن والأموال إلى بني عامر ، فإنّ الدم لنا قبلهم فهم [ لا ] يتعرّضون لكم ويبقى أولو القوّة والجلد على ظهور الخيل ونماطلهم القتال ، فإن أبوا إلّا القتال كنّا قد أحرزنا أهلينا وأموالنا وقاتلناهم وصبرنا لهم ، فإن ظفرنا فهو الّذي نريد ، وإن كانت الأخرى كنّا قد احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية . ففعلوا ذلك ، وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر « 1 » فاقتتلوا قتالا شديدا يومهم ذلك وافترقوا . فلمّا كان الغد عادوا إلى اللقاء فاقتتلوا أشدّ من اليوم الأوّل ، وظهرت في هذه الأيّام شجاعة عنترة ابن شدّاد . فلمّا رأى الناس شدّة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه حذيفة عن الصلح وتطيّروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم ، فلم يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث . فلمّا رأى فتور أصحابه وركونهم إلى السلم رحل عائدا . فلمّا عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر وجاوروهم وبقوا معهم مدّة ، فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرّض لأخذ أموالهم فرحلوا عنهم ، فتبعهم « 2 » جمع من شيبان ، فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا ، فانهزمت شيبان وسارت عبس

--> ( 1 ) . S . sine punctis ( 2 ) . فلحقهم . R